الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
56
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
من مجموع الآيتين : وجوب القيام بالعدل ، والشهادة به ، ووجوب القيام للّه ، والشهادة له . وتقدّم القول في معنى وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ قريبا ، ولكنّه هنا صرّح بحرف ( على ) وقد بيّناه هنالك . والكلام على العدل تقدّم في قوله : وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [ النساء : 58 ] . والضمير في قوله : هُوَ أَقْرَبُ عائد إلى العدل المفهوم من تَعْدِلُوا ، لأنّ عود الضمير يكتفى فيه بكلّ ما يفهم حتّى قد يعود على ما لا ذكر له ، نحو حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ ص : 32 ] . على أنّ العرب تجعل الفعل بمعنى المصدر في مراتب : المرتبة الأولى : أن تدخل عليه ( أن ) المصدرية . الثّانية : أن تحذف ( أن ) المصدريّة ويبقى النصب بها ، كقول طرفة : ألا أيّهذا الزاجري أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي بنصب ( أحضر ) في رواية ، ودلّ عليه عطف ( وأن أشهد ) . الثّالثة : أن تحذف ( أن ) ويرفع الفعل عملا على القرينة ، كما روي بيت طرفة ( أحضر ) برفع أحضر ، ومنه قول المثل ( تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ) ، وفي الحديث « تحمل لأخيك الركاب صدقة » . الرابعة : عود الضمير على الفعل مرادا به المصدر ، كما في هذه الآية . وهذه الآية اقتصر عليها النحاة في التمثيل حتّى يخيّل للنّاظر أنّه مثال فذّ في بابه ، وليس كذلك بل منه قوله تعالى : وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [ الكهف : 4 ] . وأمثلته كثيرة : منها قوله تعالى : ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ [ الكهف : 5 ] ، فضمير بِهِ عائد إلى القول المأخوذ من قالُوا ، ومنه قوله تعالى : ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [ الحج : 30 ] ، فضمير فَهُوَ عائد للتعظيم المأخوذ من فعل يُعَظِّمْ ، وقول بشّار : واللّه ربّ محمّد * ما إن غدرت ولا نويته أي الغدر . ومعنى أَقْرَبُ لِلتَّقْوى أي للتقوى الكاملة الّتي لا يشذّ معها شيء من الخير ، وذلك أنّ العدل هو ملاك كبح النّفس عن الشهوة وذلك ملاك التّقوى . [ 9 ، 10 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 9 إلى 10 ] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 9 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 10 )